ابن قيم الجوزية

192

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما في الحديث : فإن الذي عذّب على ذنوبه لم يبدلها في الدنيا بحسنات ، من التوبة النصوح وتوابعها . فلم يكن له ما يجعل مكان السيئة حسنات . فأعطي مكان كل سيئة حسنة واحدة . وسكت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن كبار ذنوبه . ولما انتهى إليها ضحك . ولم يبين ما يفعل اللّه بها . وأخبر أن اللّه يبدل مكان كل صغيرة حسنة . ولكن في الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا التبديل يعم كبارها وصغارها من وجهين : أحدهما : قوله « أخبؤوا عنه كبارها » فهذا إشعار بأنه إذا رأى تبديل الصغائر ذكرها ، وطمع في تبديلها . فيكون تبديلها أعظم موقعا عنده من تبديل الصغائر . وهو به أشد فرحا واغتباطا . والثاني : ضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم عند ذكر ذلك . وهذا الضحك مشعر بالتعجب مما يفعل به من الإحسان ، وما يقرّ به على نفسه من الذنوب ، من غير أن يقرّر عليها ولا يسأل عنها . وإنما عرضت عليه الصغائر . فتبارك اللّه رب العالمين ، وأجود الأجودين ، وأكرم الأكرمين ، البر اللطيف ، المتودد إلى عباده بأنواع الإحسان ، وإيصاله إليهم من كل طريق بكل نوع . لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . التوبة في القرآن الكريم وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب ، وبالإقلاع عنه في الحال ، وبالندم عليه في الماضي . وإن كان في حق آدمي : فلا بد من أمر رابع . وهو التحلل منه . وهذا الذي ذكروه بعض مسمى « التوبة » بل شرطها ، وإلا فالتوبة في كلام اللّه ورسوله - كما تتضمن ذلك - تضمن العزم على فعل المأمور والتزامه « 1 » فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبا ، حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور ، والإتيان به . هذا حقيقة التوبة . وهي اسم لمجموع الأمرين . لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه ، فإذا أفردت تضمنت الأمرين . وهي كلفظة « التقوى » « 2 » التي تقتضي عند إفرادها فعل ما أمر اللّه به ، وترك ما نهى اللّه عنه . وتقتضي عند اقترانها بفعل المأمور الانتهاء عن المحظور . فإن حقيقة « التوبة » الرجوع إلى اللّه بالتزام فعل ما يحب ، وترك ما يكره . فهي رجوع من مكروه إلى محبوب . فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها . والرجوع عن المكروه الجزء الآخر . ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها ، فقال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النّور : 31 ] فكل تائب مفلح . ولا يكون مفلحا إلا من فعل

--> ( 1 ) بل وتتضمن مقت من يتركه ومقاطعته . والتزام الأمر به والنهي عن تركه . فإن العمل الصالح - المشروط للتوبة ، في آية الفرقان - هو ضد ما كان يأتيه من السوء . ( 2 ) التقوى هي اتخاذ كل ما أعطى اللّه العبد - من عافية ، ومال وولد ، وليل ونهار ، وغير ذلك - وقاية يتقي بها ما يكره ويخاف . في سيره إلى ربه والدار الآخرة فإن الطريق كله عقبات ، وأعداء : من النفس الأمارة والهوى والشيطان تتناوشه ، وتجذبه ، محاولة صده وإرجاعه وإهلاكه ، وقد ابتلاه اللّه بكل ذلك . وآتاه ما يمكنه من السلامة والعافية والنجاح . وذلك بحسن وضع النعمة من كل ذلك موضعه ، فإن الهلاك إنما يكون بوضع هذه النعم على غير وضعها ، بالجاهلية واتباع الهوى ، وتغليب الشهوة البهيمية ، والانسلاخ من آيات اللّه ، واتخاذ الشيطان وليا من دون اللّه .